أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

274

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : أن يكون مصدرا ل « إفادة » ك « أقام إقامة » ، أي : ذوي إفادة ، وهم الناس الذين ينتفع بهم . والثاني : أن يكون أصلها : وفادة ، فأبدلت الواو همزة ، نحو : إشاح وإعاء وقرأت أم الهيثم : « أفودة » بواو مكسورة ، وفيها وجهان : أحدهما : أن يكون جمع « فؤاد » السهل ، وذلك أن الهمزة المفتوحة المضموم ما قبلها يطرد قلبها واوا ، نحو : « جون » ففعل في « فؤاد » ذلك ، فأقرت في الجمع على حالها . والثاني : قال صاحب اللوامح : هي جمع « وفد » . قلت : فكان ينبغي أن يكون اللفظ « أوفدة » بتقدم الواو ، إلا أن يقال : إنه جمع : « وفدا » على « أوفدة » ، ثم قلبه فوزنه أفعلة كقولهم : آرام في : « أرآم » وبابه ، إلّا أنه يقل جمع « فعل » على « أفعلة » ، نحو : نجد وأنجدة ، ووهي وأوهية . وأم الهيثم نقل عنها شيء من اللغة ، وقرىء : « آفدة » بزنة ضاربة ، وهي تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون مقلوبة من « أَفْئِدَةً » بتقديم الهمزة على « الفاء » ، فقلبت الهمزة ألفا ، فوزنها أفعلة ك « آرام » في « أرآم » . والثاني : أنها اسم فاعل من « أفد ، يا فد » أي : قرب ودنا ، والمعنى : جماعة آفدة ، أو جماعات أفدة بالقصر ، وفيها وجهان أيضا : أحدهما : أن تكون اسم فاعل على « فعل » ك « فرح » ، فهو « فرح » ، وأن تكون مخففة من « أَفْئِدَةً » ، بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ، وحذف الهمزة . و مِنَ النَّاسِ في « مِنْ » وجهان : أحدهما : أنها لابتداء الغاية ، قال الزمخشري : « ويجوز أن تكون « مِنْ » لابتداء الغاية ، كقولك : « القلب منّي سقيم » ، تريد قلبي ، كأنه قيل : أفئدة ناس ، وإنما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل ، لتنكير « أَفْئِدَةً » ، لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة . قال الشيخ « 1 » : ولا يظهر كونها للغاية ، لأنه ليس لنا فعل يبتدأ فيه بغاية ينتهي إليها ، إذ لا يصح جعل ابتداء الأفئدة من الناس . والثاني : للتبعيض ، وفي التفسير : لو لم يقل « مِنَ النَّاسِ » ، لحج الناس كلهم . قوله : تَهْوِي هذا هو المفعول الثاني للجعل ، والعامة « تَهْوِي » بكسر العين بمعنى : تسرع وتطير شوقا إليهم ، قال : 2924 - وإذا رميت به الفجاج رأيته * تهوي مخارمها هويّ الأجدل « 2 » وأصله أن يتعدى باللام ، كقوله : 2925 - حتّى إذا ما هوت كفّ الوليد لها * طارت وفي كفّه من ريشها بتك « 3 »

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 432 ) . ( 2 ) البيت لأبي كبير الهذلي انظر ديوان الهذليين ( 2 / 94 ) ، البحر المحيط ( 5 / 429 ) ، اللسان « خرم » . ( 3 ) تقدم .